أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
510
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 27 إلى 30 ] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 27 ) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ( 28 ) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ( 29 ) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 30 ) قوله تعالى : بِالْحَقِّ : فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه حال من فاعل « اتْلُ » أي : أتل ذلك حال كونك ملتبسا بالحق أي : بالصدق . الثاني : أنه حال من مفعوله وهو « نَبَأَ » أي : وأتل نبأهما ملتبسا بالصدق موافقا لما في كتب الأولين لتثبت عليهم الحجة برسالتك . الثالث : أنه صفة لمصدر « اتْلُ » أي : أتل ذلك تلاوة ملتبسة بالحقّ والصدق ، وكأنه اختيار الزمخشري ، إذ به بدأ ، وعلى الأوجه الثلاثة فالباء للمصاحبة ، وهي متعلقة بمحذوف . وقرأ أبو عمرو بسكون الميم من « آدَمَ » قبل باء « بِالْحَقِّ » ، وكذا كلّ ميم قبلها متحرك وبعدها باء . قوله : إِذْ قَرَّبا فيه ثلاثة أوجه : أحدها : - وبه بدأ الزمخشري وأبو البقاء - أن يكون متعلقا بنفس النبأ ، أي : قصتهما وحديثهما في ذلك الوقت ، وهذا واضح . الثاني : أنه بدل من « نَبَأَ » على حذف مضاف تقديره : وأتل عليهم النبأ نبأ ذلك الوقت ، كذا قدّره الزمخشري . قال الشيخ « 1 » : « ولا يجوز ما ذكر لأنّ « إِذْ » لا يضاف إليهما إلا الزمان ، و « نَبَأَ » ليس بزمان . الثالث : - ذكره أبو البقاء - أنه حال من « نَبَأَ » وعلى هذا فيتعلّق بمحذوف ، لكن هذا الوجه غير واضح ، قال أبو البقاء : « ولا يكون ظرفا ل « اتْلُ » . قلت : لأنّ الفعل مستقبل و « إِذْ » وقت ماض فكيف يتلاقيان ؟ . والقربان : فيه احتمالان : أحدهما : - وبه قال الزمخشري - أنه اسم لما يتقرّب به ، قال : « كما أنّ الحلوان اسم ما يحلّي أو يعطي يقال : « قرّب صدقة وتقرّب بها » ، لأن « تقرّب » مطاوع « قرّب » . قال الأصمعي : « تقرّبوا قرف القمع » فيعدّى بالباء حتى يكون بمعنى قرّب » أي : فيكون قوله : « إِذْ قَرَّبا قُرْباناً » يطلب مطاوعا له ، فالتقدير : إذ قرّباه فتقرّبا به ، وفيه بعد . قال الشيخ « 2 » : « وليس « تقرّب بصدقة » مطاوع « قرّب صدقة » لاتحاد فاعل الفعلين ، والمطاوعة يختلف فيها الفاعل يكون من أحدهما فعل ومن الآخر انفعال نحو : كسرته فانكسر ، وفلقته فانفلق ، فليس قرّب صدقته وتقرّب بها من هذا الباب ، فهو غلط فاحش » . وفيما قاله الشيخ نظر ، لأنّا لا نسلّم هذه القاعدة .
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 461 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 461 ) .